فصل: تفسير الآية رقم (4)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا ‏(‏14‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَرْجُفُ الارض والجبال‏}‏ قيل متعلق بذرني وقيل صفة ‏{‏عذاباً‏}‏ وقيل متعلق بأليماً واختار جمع أنه متعلق بالاستقرار الذي تعلق به ‏{‏لدينا‏}‏ أي استقر ذلك العذاب لدينا وظهر يوم تضطرب الأرض والجبال وتتزلزل وقرأ زيد بن علي ترجف مبنياً للمفعول ‏{‏وَكَانَتِ الجبال‏}‏ مع صلابتها وارتفاعها ‏{‏كَثِيباً‏}‏ رملاً مجتمعاً من كثب الشيء إذا جمعه فكأنه في الأصل فعيل بمعنى مفعول ثم غلب حتى صار له حكم الجوامد والكلام على التشبيه البليغ وقيل لا مانع من أن تكون رملاً حقيقة ‏{‏مَّهِيلاً‏}‏ قيل أي رخواً ليناً إذا وطئته القدم زل من تحتها وقيل منثوراً من هيل هيلاً إذا نثر وأسيل كونه كثيباً باعتبار ما كان عليه قبل النثر فلا تنافي بين كونه مجتمعاً ومنثوراً وليس المراد أنه في قوة ذلك وصدده كما قيل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ‏}‏ خطاب للمكذبين أولى النعمة سواء جعلوا القائلين أو بعضهم ففيه التفات من الغيبة وهو التفات جليل الموقع أي أنا أرسلنا إليكم أيها المكذبون من أهل مكة ‏{‏رَسُولاً شاهدا عَلَيْكُمْ‏}‏ يشهد يوم القيامة بما صدر عنكم من الكفر والعصيان ‏{‏كَمَا أَرْسَلْنَا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً‏}‏ هو موسى عليه السلام وعدم تعيينه لعدم دخله في التشبيه أو لأنه معلوم غني عن البيان‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏فعصى فِرْعَوْنُ الرسول‏}‏ المذكور الذي أرسلناه إليه فالتعريف للعهد الذكري والكاف في محل النصب على أنها صفة لمصدر محذوف على تقدير اسميتها أي إرسالاً مثل إرسالنا أو الجار والمجرور في موضع الصفة على تقدير حرفيتها أي إرسالاً كائناً كما والمعنى أرسلنا إليكم رسولاً ‏{‏شاهداً عليكم‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 15‏]‏ فعصيتموه كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصاه وفي إعادة فرعون والرسول مظهرين تفظيع لشأن عصيانه وأن ذلك لكونه عصيان الرسول لا لكونه عصيان موسى وفيه أن عصيان المخاطبين أفظع وأدخل في الذم إذ زاد جل وعلا لهذا الرسول وصفاً آخر أعني شاهداً عليكم وأدمج فيه أنهم لو آمنوا كانت الشهادة لهم وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأخذناه أَخْذاً وَبِيلاً‏}‏ أي ثقيلاً رديء العقبى من قولهم كلأ وبيل وخم لا يستمرأ لثقله والوبيل أيضاً العصا الضخمة ومنه الوابل للمطر العظيم قطره خارج عن التشبيه جيء به لإيذان المخاطبين بأنهم مأخوذون بمثل ذلك وأشد وأشد وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً‏}‏ مراتب على الإرسال فالعصيان ويوماً مفعول به لتتقون ما بتقدير مضاف أي عذاب أو هول يوم أبو بدونه إلا أن المعنى عليه وضمير يجعل لليوم والجملة صفته والإسناد مجازي وقال بعض الضمير لله تعالى والإسناد حقيقي والجملة صفة محذوفة الرابط أي يجعل فيه كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واتقوا يَوْمًا لاَّ يجزى نَفْسٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 48‏]‏ وكان ظاهر الترتيب أن يقدم على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَمَا أَرْسَلْنَا‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 15‏]‏ إلا أنه أخر إلى هنا زيادة على زيادة في التهويل فكأنه قيل هبوا أنكم لا تؤخذون في الدنيا أخذة فرعون واضرابه فكيف تقون أنفسكم هول القيامة وما أعد لكم من الأنكال إن دمتم على ما أنتم عليه ومتم في الكفر وفي قوله سبحانه إن كفرتم وتقديره تقدير مشكوك في وجوده ما ينبه على أنه لا ينبغي أن يبقى مع إرسال هذا الرسول لأحد شبهة تبقيه في الكفر فهو النور المبين وجوز أن يكون يوماً ظرفاً لتتقون على معنى فكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا والكلام حينئذ للحث على الإقلاع من الكفر والتحذير عن مثل عاقبة آل فرعون قبل أن لا ينفع الندم وجوز أيضاً أن ينتصب بكفرتم على تأويل جحدتم والمعنى فكيف يرجى إقلاعكم عن الكفر واتقاء الله تعالى وخشيته وأنتم جاحدون يوم الجزاء كأنه لما قيل ‏{‏يوم ترجف‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 14‏]‏ عقب بقوله تعالى فكيف تتقون الله إن كفرتم به فأعيد ذكر اليوم بصفة أخرى زيادة في التهويل والوجه الأول أولى قاله في «الكشف» وقال العلامة الطيبي في الوجه الأخير أعني انتصاب يوماً بكفرتم أنه أوفق للتأليف يعني خوفناكم بالأنكال والجحيم وأرسلنا إليكم رسولاً شاهداً يوم القيامة بكفركم وتكذيبكم وأنذرناكم بما فعلنا بفرعون من العذاب الوبيل والأخذ الثقيل فما نجع فيكم ذلك كله ولا اتقيتم الله تعالى فكيف تتقونه وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة والجزاء وفيه أن ملاك التقوى والخشية الايمان بيوم القيامة انتهى‏.‏ ولا يخفى أن جزالة المعنى ترجح الأول وذهب جمع إلى أن الخطاب في ‏{‏إنا أرسلنا‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 15‏]‏ إليكم عام للأسود والأحمر فالظاهر أنه ليس من الالتفات في شيء وأياً ما كان فجعل الولدان شيباً أي شيوخاً جمع أشيب قيل حقيقة فتشيب الصبيان وتبيض شعورهم من شدة يوم القيامة وذلك على ما أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود حين يقول الله تعالى لآدم عليه السلام قم فأخرج من ذريتك بعث النار فيقول يا رب لا علم لي إلا ما علمتني فيقول الله عز وجل أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فيخرجون ويساقون إلى النار سوقاً مقرنين زرقاً كالحين قال ابن مسعود فإذا خرج بعث النار شاب كل وليد وفي حديث الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس نحو ذلك وقيل مثل في شدة الهول من غير أن يكون هناك شيب بالفعل فإنهم يقولون في اليوم الشديد يوم يشيب نواصي الأطفال والأصل في ذلك أن الهموم إذا تفاقمت على المرأ أضعفت قواه وأسرعت فيه الشيب ومن هنا قيل الشيب نوار الهموم وحديث البعث لا يأبى هذا وجوز الزمخشري أن يكون ذلك وصفاً لليوم بالطول وإن الأطفال يبلغون فيه أو أن الشيخوخة والشيب وليس المراد به التقدير الحقيقي بل وصف بالطول فقط على ما تعارفوه وإلا فهو أطول من ذك وأطول فلا اعتراض لكنه مع هذا ليس بذاك والظاهر عموم الولدان وقال السدي هم هنا أولاد الزنا وقيل هم أولاد المشركين وقرأ زيد بن علي يوم بغير تنوين نجعل بالنون فالظرف مضاف إلى جملة نجعل الخ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏السَّمَاء مُنفَطِرٌ‏}‏ أي منشق وقرىء متفطر أي متشقق ‏{‏بِهِ‏}‏ أي بذلك اليوم والباء للآلة مثلها في قولك فطرت العود بالقدوم فانفطر به يعني أن السماء على عظمها وأحكامها تنفطر بشدة ذلك اليوم وهو له كما ينفطر الشيء بما يفطر به فما ظنك بغيرها من الخلائق وجوز أن يراد السماء مثقلة به الآن أثقالاً يؤدي إلى انفطارها لعظمه عليها وخشيتها من وقوعه كقوله تعالى ‏{‏ثَقُلَتْ فِى السموات‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 187‏]‏ فالكلام من باب التخييل والانفطار كناية عن المبالغة في ثقل ذلك اليوم والمراد إفادة أنه الآن على هذا الوصف والأول أظهر وأوفق لأكثر الآيات وكان الظاهر السماء منفطرة بتأنيث الخبر لأن المشهور أن السماء مؤنثة لكن اعتبر إجراء ذلك على موصوف مذكر فذكر أي شيء منفطر به والنكتة فيه التنبيه على أنه تبدلت حقيقتها وزال عنها اسمها ورسمها ولم يبق منها إلا ما يعبر عنه بالشيء وقال أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة والكسائي وتبعهم منذر بن سعيد التذكير لتأويل السماء بالسقف وكان النكتة فيه تذكير معنى السقفية والإضلال ليكون أمر الانفطار أدهش وأهول وقال أبو علي الفارسي التقدير ذات انفطار كقولهم امرأة مرضع أي ذات رضاع فجرى على طريق النسب وحكى عنه أيضاً أن هذا من باب الجراد المنتشر والشجر الأخضر وأعجاز نخل منقعر يعني أن السماء من باب اسم الجنس الذي بينه وبين مفرده تاء التأنيث وأن مفرده سماءة واسم الجنس يجوز فيه التذكير والتأنيث فجاء منفطر على التذكير وقال الفراء السماء يعني المظلة تذكر وتؤنث فجاء منفطر على التذكير ومنه قوله الشاعر‏:‏ فلو رفع السماء إليه قوما *** لحقنا بالسماء وبالسحاب

وعليه لا حاجة إلى التأويل وإنما تطلب نكتة اعتبار التذكير مع أن الأكثر في الاستعمال اعتبار التأنيث ولعلها ظاهرة لمن له أدنى فهم وحمل الباء في به على الآلة هو الأوفق لتهويل أمر ذلك اليوم وجوز حملها على الظرفية أي السماء منفطر فيه وعود الضمير المجرور على اليوم هو الظاهر الذي عليه الجمهور وقال مجاهد يعود على الله تعالى أي بأمره سبحانه وسلطانه عز وجل فهو عنده كالضمير في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً‏}‏ فإنه له تعالى لعلمه من السباق والمصدر مضاف إلى فاعله ويجوز أن يكون لليوم كضمير به عند الجمهور والمصدر مضاف إلى مفعوله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ هذه‏}‏ إشارة إلى الآيات المنطوية على القوارع المذكورة ‏{‏تَذْكِرَةٌ‏}‏ أي موعظة ‏{‏فَمَن شَاء اتخذ إلى رَبّهِ سَبِيلاً‏}‏ بالتقرب إليه تعالى بالايمان والطاعة فإنه المنهاج الموصل إلى مرضاته عز وجل ومفعول شاء محذوف والمعروف في مثله أن يقدر من جنس الجواب أي فمن شاء اتخاذ سبيل إلى ربه تعالى اتخذ الخ وبعض قدره الاتعاظ لمناسبة ما قبل أي فمن شاء الاتعاظ اتخذ إلى ربه سبيلاً والمراد من نوى أن يحصل له الاتعاظ تقرب إليه تعالى لكن ذكر السبب وأريد مسببه فهو الجزاء في الحقيقة واختار في البحر ما هو المعروف وقال إن الكلام على معنى الوعد والوعيد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَىِ اليل‏}‏ أي زماناً أقل منهما استعمل فيه الأدنى وهو اسم تفضيل من دنا إذا قرب لما أن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الاحياز فهو فيه مجاز مرسل لأن القرب يقتضي قلة الاحياز بين الشيئين فاستعمل في لازمه أو في مطلق القلة وجوز اعتبار التشبيه بين القرب والقلة ليكون هناك استعارة والإرسال أقرب وقرأ الحسن وشيبة وأبو حيوة وابن السميفع وهشام وابن مجاهد عن قنبل فيما ذكر صاحب الكامل ثلثي بإسكان اللام وجاء ذلك عن نافع وابن عامر فيما ذكر «صاحب اللوامح» ‏{‏وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ‏}‏ بالنصب عطفاً على أدنى كأنه قيل يعلم إنك تقوم من الليل أقل من ثلثيه وتقوم نصفه وتقوم ثلثه وقرأ العربيان ونافع ونصفه وثلثه بالجر عطفاً على ثلثي الليل أي تقوم أقل من الثلثين وأقل من النصف وأقل من الثلث والأول مطابق لكون التخيير فيما مر بين قيام النصف بتمامه وبين قيام الناقص منه وهو الثلث وبين قيام الزائد عليه وهو الأدنى من الثلثين والثاني مطابق لكون التخيير بين النصف وهو أدنى من الثلثين وبين الثلث وهو أدنى من النصف وبين الربع وهو أدنى من الثلث كذا قال غير واحد فلا تغفل واستشكل الأمر بأن التفاوت بين القراءتين ظاهر فكيف وجه صحة علم الله تعالى لمدلولهما وهما لا يجتمعان وأجيب بأن ذلك بحسب الأوقات فوقع كل في وقت فكانا معلومين له تعالى واستشكل أيضاً هذا المقام على تقدير كون الأمر وارداً بالأكثر بأنه يلزم أما مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر به أو اجتهاده والخطأ في موافقة الأمر وكلاهما غير صحيح أما الأول فظاهر لا سيما على كون الأمر للوجوب وأما الثاني فلأن من جوز اجتهاده عليه الصلاة والسلام والخطأ فيه يقول إنه لا يقر عليه الصلاة والسلام على الخطأ وأجيب بالتزام أن الأمر وارد بالأقل لكنهم زادوا حذراً من الوقوع في المخالفة وكان يشق عليهم وعلم الله سبحانه أنهم لو لم يأخذوا بالأشق وقعوا في المخالفة فنسخ سبحانه الأمر كذا قيل فتأمل فالمقام بعد محتاج إليه وقرأ ابن كثير في رواية شبل وثلثه بإسكان اللام ‏{‏وَطَائِفَةٌ مّنَ الذين مَعَكَ‏}‏ عطف على الضمير المستتر في تقوم وحسنه الفصل بينهما أي وتقوم معك طائفة من أصحابك ‏{‏والله يُقَدّرُ اليل والنهار‏}‏ لا يعلم مقادير ساعاتهما كما هي إلا الله تعالى فإن تقديم اسمه تعالى مبتدأ مبنياً عليه يقدر دال على الاختصاص على ما ذهب إليه جار الله ويؤيده قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ‏}‏ فإن الضمير لمصدر يقدر لا للقيام المفهوم من الكلام والمعنى علم أن الشأن لن تقدروا على تقدير الأوقات ولن تستطيعوا ضبط الساعات ولا يتأتى لكم حسابها بالتعديل والتسوية إلا أن تأخذوا بالأوسع للاحتياط وذلك شاق عليكم بالغ منكم ‏{‏فَتَابَ عَلَيْكُمْ‏}‏ أي بالترخيص في ترك القيام المقدر ورفع التبعة عنكم في تركه فالكلام على الاستعارة حيث شبه الترخيص بقبول التوبة في رفع التبعة واستعمل اللفظ الشائع في المشبه به في المشبه كما في قوله تعالى

‏{‏فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 187‏]‏ وزعم بعضهم أنه على ما يتبادر منه فقال فيه دليل على أنه كان فيهم من ترك بعض ما أمر به وليس بشيء ‏{‏فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان‏}‏ أي فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل عبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر عنها بسائر أركانها وقيل الكلام على حقيقته من طلب قراءة القرآن بعينها وفيه بعد عن مقتضى السياق ومن ذهب إلى الأول قال إن الله تعالى افترض قيام مقدار معين من الليل في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قُمِ اليل‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 2‏]‏ الخ ثم نسخ بقيام مقدار ما منه في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَتَابَ عَلَيْكُمْ‏}‏ فاقرؤا الآية فالأمر في الموضعين للوجوب إلا أن الواجب أولاً‏:‏ كان معيناً من معينات وثانياً‏:‏ كان بعضاً مطلقاً ثم نسخ وجوب القيام على الأمة مطلقاً بالصلوات الخمس ومن ذهب إلى الثاني قال إن الله تعالى رخص لهم في ترك جميع القيام وأمر بقراءة شيء من القرآن ليلاً فكأنه قيل فتاب عليكم ورخص في الترك فاقرؤا ما تيسر من القرآن إن شق عليكم القيام فإن هذا لا يشق وتنالون بهذه القراءة ثواب القيام وصرح جمع أن فاقرؤا على هذا أمر ندب بخلافه على الأول هذا واعلم أنهم اختلفوا في أمر التهجد فعن مقاتل وابن كيسان أنه كان فرضاً بمكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس ثم نسخ بهن إلا ما تطوعوا به ورواه البخاري ومسلم في حديث جابر وروى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والدارمي وابن ماجه والنسائي عن سعد بن هشام قال قلت لعائشة يا أم المؤمنين انبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ألست تقرأ القرآن قلت بلى قالت فإن خلق نبي الله تعالى القرآن قال فهممت أن أقوم ولا أسأل أحداً عن شيء حتى أموت ثم بدا لي فقلت انبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ألست تقرأ ‏{‏يأَيُّهَا المزمل‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 1‏]‏ قلت بلى قالت‏:‏ فإن الله تعالى افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام نبي الله وأصحابه حولاً وأمسك الله تعالى خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء حتى أنزل الله تعالى في آخر السورة التخفيف وصار قيام الليل تطوعاً وفي رواية عنها أنه دام ذلك ثمانية أشهر وعن قتادة دام عاماً أو عامين وعن بعضهم أنه كان واجباً وإنما وقع التخيير في المقدار ثم نسخ بعد عشر سنين وكان الرجل كما قال الكلبي يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين وقيل كان نفلاً بدليل التخيير في المقدار وقوله تعالى‏:‏

‏{‏ومن الليل فتهجد به نافلة لك‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 79‏]‏ حكاه غير واحد وبحثوا فيه لكن قال الإمام صاحب الكشف لم يرد هذا القائل أن التخيير ينافي الوجوب بل استدل بالاستقراء وأن الفرائض لها أوقات محدودة متسعة كانت أو ضيقة لم يفوض التحديد إلى رأي الفاعل وهو دليل حسن وأما القائل بالفرضية فقد نظر إلى اللفظ دون الدليل الخارجي ولكل وجه وأما قوله ولقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ اليل‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 79‏]‏ الخ فالاستدلال بأنه فسر ‏{‏نافلة لك‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 79‏]‏ بأن معناه زائدة على الفرائض لك خاصة دون غيرك لأنها تطوع لهم وهذا القائل لا يمنع الوجوب في حقه عليه الصلاة والسلام وإنما يمنعه في حق غيره صلى الله عليه وسلم والآية تدل عليه فلا نظر فيه ثم إنه لما ذكر سبحانه في تلك السورة ومن الليل أي خص بعض الليل دون توقيت وههنا وقت جل وعلا ودل على مشاركة الأمة له عليه الصلاة والسلام قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَطَائِفَةٌ مّنَ الذين مَعَكَ‏}‏ نزل ما ثم على الوجوب عليه صلى الله عليه وسلم خاصة وههنا على التنفلي في حقه وحق الأمة وهذا قول سديد إلا أن قوله تعالى علم أن لن تحصوه فتاب عليكم يؤيد الأول انتهى وعنى بالأول القول بالفرضية عليه عليه الصلاة والسلام وعلى الأمة وظواهر الآثار الكثيرة تشهد له لكن في «البحر» أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَطَائِفَةٌ مّنَ الذين مَعَكَ‏}‏ دليل على أنه لم يكن فرضاً على الجميع إذ لو كان فرضاً عليهم لكان التركيب والذين معك إلا أن اعتقد أنه كان منهم من يقوم في بيته ومنهم من يقوم معه فيمكن إذ ذاك الفرضية في حق الجميع انتهى وأنت تعلم أنه لا يتعين كون من تبعيضية بل تحتمل أن تكون بيانية ومن يقول بالفرضية على الكل صدر الإسلام يحملها على ذلك دون البعضية باعتبار المعية فإنها ليست بذاك والله تعالى أعلم وأفادت الآية على القول الأخير في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فاقرؤا‏}‏ الخ ندب قراءة شيء من القرآن ليلاً وفي بعض الآثار من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن وفي بعضها من قرأ مائة آية كتب من القانتين وفي بعض خمسين آية والمعول عليه من القولين فيه القول الأول وقد سمعت أن الأمر عليه للإيجاب وأنه كان يجب قيام شيء من الليل ثم نسخ وجوبه عن الأمة بوجوب الصلوات الخمس فهو اليوم في حق الأمة سنة وفي «البحر» بعد تفسير فاقرؤا يصلوا وحكاية ما قيل من النسخ وهذا الأمر عند الجمهور أمر إباحة وقال الحسن وابن سيرين قيام الليل فرض ولو قدر حلب شاة وقال بن جبير وجماعة هو فرض لا بد منه ولو بمقدار خمسين آية انتهى وظاهر سياقه أن هؤلاء قائلون بوجوبه اليوم وأنه لم ينسخ الوجوب مطلقاً وإنما نسخ وجوب معين وهذا خلاف المعروف فعن ابن عباس سقط قيام الليل عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصار تطوعاً وبقي ذلك فرضاً على رسول الله عليه الصلاة والسلام وأظن الأمر غنياً عن الاستدلال فلنطو بساط القيل والقال نعم كان السلف الصالح يثابرون على القيام مثابرتهم على فرائض الإسلام لما في ذلك من الخلوة بالحبيب والأنس به وهو القريب من غير رقيب نسأل الله تعالى أن يوفقنا كما وفقهم ويمن علينا كما من عليهم بقي ههنا بحث وهو أن الإمام أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه استدل بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان‏}‏ على أن الفرض في الصلاة مطلق القراءة لا الفاتحة بخصوصها وهو ظاهر على القول بأنه عبر فيه عن الصلاة بركنها وهو القراءة كما عبر عنها بالسجود والقيام والركوع في مواضع وقدر ما تيسر بآية على ما حكاه عنه الماوردي وبثلث على ما حكاه عنه ابن العربي والمسألة مقررة في الفروع وخص الشافعي ومالك ما تيسر بالفاتحة واحتجوا على وجوب قراءتها في الصلاة بحجج كثيرة منها ما نقل أبو حامد الإسفرايني عن ابن المنذر بإسناده عن أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام

«لا تجزى صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» ومنها ما روي أيضاً عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم «كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج» فهي خداج أي نقصان للمبالغة أو ذو نقصان واعترض بأن النقصان لا يدل على عدم الجواز وأجيب بأنه يدل لأن التكليف بالصلاة قائم والأصل في الثابت البقاء خالفناه عند الإتيان بها على صفة الكمال فعند النقصان وجب أن يبقى على الأصل ولا يخرج عن العهدة وأكد بقول أبي حنيفة بعدم جواز صوم يوم العيد قضاء عن رمضان مع صحة الصوم فيه عنده مستدلاً عليه بأن الواجب عليه الصوم الكامل والصوم في هذا اليوم ناقص فلا يفيد الخروج عن العهدة ومنها قوله صلى الله عليه وسلم «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» وهو ظاهر في المقصود إذ التقدير لا صلاة صحيحة إلا بها واعترض بجواز أن يكون التقدير لا صلاة كاملة فإنه لما امتنع نفى مسمى الصلاة لثبوته دون الفاتحة لم يكن بد من صرفه إلى حكم من أحكامها وليس الصرف إلى الصحة أولى من الصرف إلى الكمال وأجيب بأنا لا نسلم امتناع دخول النفي على مسماها لأن الفاتحة إذا كانت جزءاً من ماهية الصلاة تنتفي الماهية عند عدم قراءتها فيصح دخوله على مسماها وإنما يمتنع لو ثبت أنها ليست جزءاً منها وهو أول المسألة سلمناه لكن لا نسلم أن صرفه إلى الصحة ليس أولى من صرفه إلى الكمال بل هو أولى لأن الحمل على المجاز الأقرب عند تعذر الحمل على الحقيقة أولى بل واجب بالإجماع ولا شك أن الموجود الذي لا يكون صحيحاً أقرب إلى المعدوم من الموجود الذي لا يكون كاملاً ولأن الأصل بقاء ما كان وهو التكليف على ما كان ولأن جانب الحرمة أرجح لأنه أحوط ومنها أن الصلاة بدون الفاتحة توجب فوات الفضيلة الزائدة من غير ضرورة للإجماع على أن الصلاة معها أفضل فلا يجوز المصير إليه لأنه قبيح عرفاً فيكون قبيحاً شرعاً لقوله عليه الصلاة والسلام ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن

‏"‏ وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح ‏"‏ ومنها أن قراءتها توجب الخروج عن العهدة بيقين فتكون أحوط فوجب القول بوجوبها لنص دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وللمعقول وهو دفع ضرر الخوف عن النفس فإنه واجب‏.‏ وكون اعتقاد الوجوب يورث الخوف لجواز كوننا مخطئين معارض باعتقاد عدمه فيتقابلان وأما في العمل فالقراءة لا توجب الخوف وتركها يوجبه فالأحوط القراءة إلى غير ذلك وأجاب ساداتنا الحنفية بما أجابوا واستدلوا على أن الواجب ما تيسر من القرآن لا الفاتحة بخصوصها بأمور منها ما روى أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة أنه قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرج وأنادي لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب ودفع بأنه معارض بما نقل عن أبي هريرة أنه قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرج وأنادي لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وبأنه يجوز أن يكون المراد من قوله ولو بفاتحة الكتاب هو أنه لو اقتصر على الفاتحة لكفى ويجب الحمل عليه جمعاً بين الأدلة وفيه تعسف ولعل الأولى في الجواب جواز كون المراد ولو بفاتحة الكتاب ما هو السابق إلى الفهم من قول القائل لا حياة إلا بقوت ولو الخبز كل يوم أوقية وهو أن هذا القدر لا بد منه وعليه يصير الحديث من أدلة الوجوب ومنها أنه لو وجبت الفاتحة لصدق قولنا كلما وجبت القراءة وجبت الفاتحة ومعناه مقدمة صادقة وهي أنه لو لم تجب الفاتحة لوجبت القراءة لوجوب مطلق القراءة بالإجماع فتنتج المقدمتان لو لم تجب الفاتحة لوجبت الفاتحة وهو باطل وأجيب بمنع الصغرى أي لا نسلم صدق قولنا لو لم تجب الفاتحة لوجبت القراءة لأن عدم وجوب الفاتحة محال والمحال جاز أن يستلزم المحال وهو رفع وجوب مطلق القراءة الثابت بالإجماع سلمناها لكن لا نسلم استحالة قولنا لو لم تجب الفاتحة لوجبت الفاتحة لما ذكر آنفاً وجعل بعض القياس حجة على الحنفية لأن كل ما استلزم عدمه وجوده ثبت وجوده ضرورة ورد بأن هذا إنما يلزم لو كانت الملازمة وهي قولنا لو لم تجب الفاتحة لوجبت ثابتة في نفس الأمر وليس كذلك بل هي ثابتة على تقدير وجوب قراءة الفاتحة فلهذا لا يصير حجة عليهم وتمام الكلام على ذلك في موضعه وأنت تعلم أنه على القول الثاني في الآية لا يظهر الاستدلال بها على فرضية مطلق القراءة في الصلاة إذ ليس فيها عليه أكثر من الأمر بقراءة شيء من القرآن قل أو أكثر بدل ما افترض عليهم من صلاة الليل فليتنبه وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى‏}‏ استئناف مبين لحكمة أخرى غير ما تقدم من عسرة إحصاء تقدير الأوقات مقتضية للترخيص والتخفيف أي علم أن الشأن سيكون منكم مرضى ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ‏}‏ يسافرون فيها للتجارة ‏{‏يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله‏}‏ وهو الربح وقد عمم ابتغاء الفضل لتحصيل العلم والجملة في موضع الحال ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ‏}‏ يعني المجاهدين وفي قرن المسافرين لابتغاء فضل الله تعالى بهم إشارة إلى أنهم نحوهم في الأجر أخرج سعيد بن منصور والبيهقي في «شعب الإيمان» وغيرهما عن عمر رضي الله تعالى عنه قال ما من حال يأتيني عليه الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحب إلي من أن يأتيني وأنا بين شعبتي جبل ألتمس من فضل الله تعالى وتلا هذه الآية‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ‏}‏ الخ وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من جالب يجلب طعاماً إلى بلد من بلدان المسلمين فيبعيه لسعر يومه إلا كانت منزلته عند الله ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله والمراد أنه عز وجل علم أن سيكون من المؤمنين من يشق عليه القيام كما علم سبحانه عسر إحصاء تقدير الأوقات وإذا كان الأمر كما ذكر وتعاضدت مقتضيات الترخيص ‏{‏فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ‏}‏ أي من القرآن من غير تحمل المشاق ‏{‏وَأَقِيمُواْ الصلاة‏}‏ أي المفروضة ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا‏}‏ كذلك وعلى هذا أكثر المفسرين والظاهر أنهم عنوا بالصلاة المفروضة الصلوات الخمس وبالزكاة المفروضة أختها المعروفة واستشكل بأن السورة من أوائل ما نزل بمكة ولم تفرض الصلوات الخمس إلا بعد الإسراء والزكاة إنما فرضت بالمدينة وأجيب بأن الذاهب إلى ذلك يجعل هذه الآيات مدنية وقيل أن الزكاة فرضت بمكة من غير تعيين للأنصباء والذي فرض بالمدينة تعيين الأنصباء فيمكن أن يراد بالزكاة الزكاة المفروضة في الجملة فلا مانع عن كون الآيات مكية لكن يلتزم لكونها نزلت بعد الإسراء وحملها على صلاة الليل السابقة حيث كانت مفروضة ينافي الترخيص وقيل يجوز أن تكون الآية مما تأخر حكمه عن نزوله وليس بذاك ‏{‏وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً‏}‏ أريد به الإنفاقات في سبل الخيرات أو أداء الزكاة على أحسن الوجوه وأنفعها للفقراء ‏{‏وَمَا تُقَدّمُواْ لانْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ‏}‏ أي خير كان مما ذكر ومما لم يذكر ‏{‏تَجِدُوهُ عِندَ الله هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً‏}‏ أي من الذي تؤخرونه إلى الوصية عند الموت وخيراً ثاني مفعولي تجدوه وهو تأكيد لضمير تجدوه وإن كان بصورة المرفوع والمؤكد منصوب لأن هو يستعار لتأكيد المجرور والمنصوب كما ذكره الرضي أو ضمير فصل وإن لم يقع بين معرفتين فإن أفعل من في حكم المعرفة ولذا يمتنع من حرف التعريف كالعلم وجوز أبو البقاء البدلية من ضمير تجدوه ووهمه أبو حيان بأن الواجب عليها إياه وقرأ أبو السمال باللام العدوى وأبو السماك بالكاف الغنوى وأبو السميقع هو خير وأعظم برفعهما على الابتداء والخبر وجعل الجملة في موضع المفعول الثاني قال أبو زيد هي لغة بني تميم يرفعون مابعد الفاصلة يقولون كان زيد هو العاقل بالرفع وعليه قول قيس بن ذريح

‏:‏ تحن إلى لبنى وأنت تركتها *** وكنت عليها بالملا أنت أقدر

فقد قال أبو عمر والجرمي أنشده سيبويه شاهداً للرفع والقوافي مرفوعة ويروى أقدرا ‏{‏واستغفروا الله‏}‏ في كافة أحوالكم فإن الإنسان قلما يخلو مما يعد تفريطاً بالنسبة إليه وعد من ذلك الصوفية رؤية العابد عبادته قيل ولهذه الإشارة أمر بالاستغفار بعد الأوامر السابقة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقراض الحسن ‏{‏إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ فيغفر سبحانه ذنب من استغفره ويرحمه عز وجل وفي حذف المعمول دلالة على العموم وتفصيل الكلام فيه معلوم نسأل الله تعالى عظيم مغفرته ورحمته لنا ولوالدينا ولكافة مؤمني بريته بحرمة سيد خليقته وسند أهل صفوته صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وشيعته‏.‏

‏[‏سورة المدثر‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏رَّحِيمٌ يأَيُّهَا المدثر‏}‏ أصله المتدثر فأدغم وهو على الأصل في حرف أبي من تدثر لبس الدثار بكسر الدال وهو ما فوق القميص الذي يلي البدن ويسمى شعاراً لاتصاله بالبشرة والشعر ومنه قوله عليه الصلاة والسلام الأنصار شعار والناس دثار والتركيب على ما قيل دائر مع معنى الستر على سبيل الشمول كان الدثار ستر بالغ مكشوف نودي صلى الله عليه وسلم باسم مشتق من صفته التي كان عليها تأنيساً له وملاطفة كما سمعت في ‏{‏يأَيُّهَا المزمل‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 1‏]‏ وتدثره عليه الصلاة والسلام لما سمعت آنفاً وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاماً فلما أكلوا قال ما تقولون في هذا الرجل فاختلفوا ثم اجتمع رأيهم على أنه سحر يؤثر فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحزن وقنع رأسه وتدثر أي كما يفعل المغموم فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏رَّحِيمٌ يأَيُّهَا المدثر‏}‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِرَبّكَ فاصبر‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 1-7‏]‏‏.‏ وقيل المراد بالمدثر المتدثر بالنبوة والكمالات النفسانية على معنى المتحلي بها والمتزين بآثارها وقيل أطلق المدثر وأريد به الغائب عن النظر على الاستعارة والتشبيه فهو نداء له بما كان عليه في غار حراء وقيل الظاهر أن يراد بالمدثر وكذا بالمزمل الكناية عن المستريح الفارغ لأنه في أول البعثة فكأنه قيل له عليه الصلاة والسلام قد مضى زمن الراحة وجاءتك المتاعب من التكاليف وهداية الناس وأنت تعلم أنه لا ينافي إرادة الحقيقة وأمر التلطيف على حاله وقال بعض السادة أي ‏{‏يا أيها الساتر‏}‏ للحقيقة المحمدية بدثار الصورة الآدمية أو يا أيها الغائب عن أنظار الخليقة فلا يعرفك سوى الله تعالى على الحقيقة إلى غير ذلك من العبارات والكل إشارة إلى ما قالوا في الحقيقة المحمدية من أنها حقيقة الحقائق التي لا يقف على كنهها أحد من الخلائق وعلى لسانها قال من قال‏:‏

وإني وإن كنت ابن آدم صورة *** فلي فيه معنى شاهد بابوتي

وإنها التعين الأول وخازن السر المقفل وأنها وأنها إلى أمور هيهات أن يكون للعقل إليها منتهى‏.‏

أعيا الورى فهم معناه فليس يرى *** في القرب والبعد منه غير منفحم

كالشمس تظهر للعينين من بعد *** صغيرة وتكل الطرف من أمم

وكيف يدرك في الدنيا حقيقته *** قوم نيام تسلوا عنه بالحلم

فمبلغ العلم فيه أنه بشر *** وأنه خير خلق الله كلهم

وقرأ عكرمة المدثر بتخفيف الدال وتشديد الثاء المكسورة على زنة الفاعل وعنه أيضاً المدثر بالتخفيف والتشديد على زنة المفعول من دثره وقال دثرت هذا الأمر وعصب بك أي شد والمعنى أنه المعول عليه فالعظائم به منوطة وأمور حلها وعقدها به مربوطة فكأنه قيل يا من توقف أمور الناس عليه لأنه وسيلتهم عند الله عز وجل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏قُمْ فَأَنْذِرْ ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏عَدَداً يأَيُّهَا المزمل قُمِ‏}‏ من مضجعك أو قم قيام عزم وتصميم وجعله أبو حيان على هذا المعنى من أفعال الشروع كقولهم قام زيد يفعل كذا وقوله‏:‏ على ما قام يشتمني لئيم *** وقام بهذا المعنى من أخوات كاد وتعقب بأنه لا يخفى بعده هنا لأنه استعمال غير مألوف وورود الأمر منه غير معروف مع احتياجه إلى تقدير الخبر فيه وكله تعسف ‏{‏فَأَنذِرْ‏}‏ أي فافعل الإنذار أو أحدثه فلا يقصد منذر مخصوص وقيل يقدر المفعول خاصاً أي فأنذر عشيرتك الأقربين لمناسبته لابتداء الدعوة في الواقع وقيل يقدر عاماً أي فأنذر جميع الناس لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 28‏]‏ ولم يقل هنا وبشر لأنه كان في ابتداء النبوة والإنذار هو الغالب إذ ذاك أو هو اكتفاء لأن الإنذار يلزمه التبشير وفي هذا الأمر بعد ذلك النداء إشارة عند بعض السادة إلى مقام الجلوة بعد الخلوة قالوا وإليهما الإشارة أيضاً في حديث «كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف» الخ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏وَرَبَّكَ فَكَبّرْ‏}‏ واخصص ربك بالتكبير وهو وصفه تعالى بالكبرياء والعظمة اعتقاداً وقولاً ويروى أنه لما نزل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أكبر فكبرت خديجة وفرحت وأيقنت أنه الوحي وذلك لأن الشيطان لا يأمر بذلك والأمر بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم غني عن الاستدلال وجوز أن يحمل على تكبير الصلاة فقد أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال قلنا‏:‏ يا رسول الله كيف نقول إذا دخلنا في الصلاة فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَرَبَّكَ فَكَبّرْ‏}‏ فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نفتح الصلاة بالتكبير وأنت تعلم أن نزول هذه الآية كان حيث لا صلاة أصلاً فهذا الخبر إن صح مؤول والفاء هنا وفيما بعد لإفادة معنى الشرط فكأنه قيل وما كان أي أي شيء حدث فلا تدع تكبيره عز وجل فالفاء جزائية وهي لكونها على ما قيل مزحلقة لا يضر عمل ما بعدها فيما قبلها وقيل أنها دخلت في كلامهم على توهم شرط فلما لم تكن في جواب شرط محقق كانت في الحقيقة زائدة فلم يمتنع تقديم معمول ما بعدها عليها لذلك ثم إن في ذكر هذه الجملة بعد الأمر السابق مقدمة على سائر الجمل إشارة إلى مزيد الاهتمام بأمر التكبير وإيماء على ما قيل إلى أن المقصود الأولى من الأمر بالقيام أن يكبر ربه عز وجل وينزهه من الشرك فإن أول ما يجب معرفة الله تعالى ثم تنزيهه عما لا يليق بجنابه والكلام عليه من باب إياك أعني واسمعي يا جاره وقد يقال لعل ذكر هذه الجملة كذلك مسارعة لتشجيعه عليه الصلاة والسلام على الإنذار وعدم مبالاته بما سواه عز وجل حيث تضمنت الإشارة إلى أن نواصي الخلائق بيده تعالى وكل ما سواه مقهور تحت كبريائه تعالى وعظمته فلا ينبغي أن يرهب إلا منه ولا يرغب إلا فيه فكأنه قيل قم فأنذر وأخصص ربك بالتكبير فلا يصدنك شيء عن الإنذار فتدبر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ‏}‏ تطهير الثياب كناية عن تطهير النفس عما تذم به من الأفعال وتهذيبها عما يستهجن من الأحوال لأن من لا يرضى بنجاسة ما يماسه كيف يرضى بنجاسة نفسه يقال فلان طاهر الثياب نقي الذيل والأردان إذا وصف بالنقاء من المعايب ومدانس الأخلاق ويقال فلان دنس الثياب وكذا دسم الثياب للغادر ولمن قبح فعله ومن الأول قول الشاعر‏:‏

ويحيى ما يلام بسوء خلق *** ويحيى طاهر الأثواب حر

ومن الثاني قوله‏:‏

لا هم أن عامر بن جهم *** أو ذم حجا في ثياب دسم

وكلمات جمهور السلف دائرة على نحو هذا المعنى في هذه الآية الكريمة‏.‏ أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أنه قال فيها يقول طهرها من المعاصي وهي كلمة عربية كانت العرب إذا نكث الرجل ولم يف بعهد قالوا إن فلاناً لدنس الثياب وإذا وفى وأصلح قالوا إن فلاناً لطاهر الثياب وأخرج ابن المنذر عن أبي مالك أنه قال فيها عنى نفسه وأخرج هو وجماعة عن مجاهد أنه قال أي وعملك فأصلح ونحوه عن أبي رزين والسدي وأخرج هو أيضاً وجماعة منهم الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه قال وثيابك فطهر أي من الإثم وفي رواية من الغدر أي لا تكن غداراً وفي رواية جماعة عن عكرمة أن ابن عباس سئل عن قوله تعالى وثيابك فطهر فقال لا تلبسها على غدرة ولا فجرة ثم قال ألا تسمعون قول غيلان بن سلمة‏:‏

فإني بحمد الله لا ثوب فاجر *** لبست ولا من غدرة أتقنع

ونحوه عن الضحاك وابن جبير عن الحسن والقرطبي أي وخلقك فحسن وأنشدوا للكناية عن النفس بالثياب قول عنترة‏.‏

فشككت بالرمح الطويل ثيابه *** ليس الكريم على القنا بمحرم

وفي رواية عن الحبر وابن جبير أنه كني بالثياب عن القلب كما في قول امرىء القيس‏:‏

فإن تك قد ساءتك مني خليقة *** فسلي ثيابي من ثيابك تنسل

وقيل كني بها عن الجسم كما في قول ليلى وقد ذكرت إبلاً ركبها قوم وذهبوا بها‏:‏

رموها بأثواب خفاف فلا نرى *** لها شبهاً إلا النعام المنفرا

وطهارة الجسم قد يراد بها أيضاً نحو ما تقدم‏.‏ ومناسبة هذه المعاني لمقام الدعوة مما لا غبار عليه وقيل على كون تطهير الثياب كناية عما مر يكون ذلك أمراً باستكمال القوة القوة العلمية بعد الأمر باستكمال القوة النظرية والدعاء إليه وقيل أنه أمر له صلى الله عليه وسلم بالتخلق بالأخلاق الحسنة الموجبة لقبول الإنذار بعد أمره عليه الصلاة والسلام بتخصيصه ربه عز وجل بالتكبير الذي ربما يوهم آباءه خفض الجناح لما سواه عز وجل واقتضاءه عدم المبالاة والاكتراث بمن كان فضلاً عن أعداء الله جل وعلا فكان ذكره لدفع ذلك التوهم وقيل على تفسير المدثر بالتدثر بالنبوة والكمالات النفسانية المعنى طهر دثارات النبوة وآثارها وأنوارها الساطعة من مشكاة ذاتك عما يدنسها من الحقد والضجر وقلة الصبر وقيل الثياب كناية عن النساء كما قال تعالى

‏{‏هن لباس لكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 187‏]‏ وتطهيرهن من الخطايا والمعايب بالوعظ والتأديب كما قال سبحانه‏:‏ ‏{‏قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 6‏]‏ وقيل تطهيرهن اختيار المؤمنات العفائف منهن وقيل وطؤهن في القبل لا في الدبر وفي الطهر لا في الحيض حكاه ابن بحر وأصل القول فيما أرى بعيد عن السياق ثم رأيت الفخر صرح بذلك وذهب جمع إلى أن الثياب على حقيقتها فقال محمد بن سيرين أي اغسلها بالماء إن كانت متنجسة وروي نحوه عن ابن زيد وهو قول الشافعي رضي الله تعالى عنه ومن هنا ذهب غير واحد إلى وجوب غسل النجاسة من ثياب المصلي وأمر صلى الله عليه وسلم بذلك على ما روي عن ابن زيد مخالفة للمشركين لأنهم ما كانوا يصونون ثيابهم عن النجاسات وقيل ألقى عليه صلى الله عليه وسلم سلا شاة فشق عليه فرجع إلى بيته حزيناً فتدثر فقيل له‏:‏ ‏{‏رَّحِيمٌ يأَيُّهَا المدثر قُمْ فَأَنذِرْ‏}‏ ولا تمنعنك تلك السفاهة عن الإنذار ‏{‏وَرَبَّكَ فَكَبّرْ‏}‏ عن أن لا ينتقم منهم ‏{‏وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ‏}‏ عن تلك النجاسات والقاذورات وإرادة التطهير من النجاسة للصلاة بدون ملاحظة قصة قيل خلاف الظاهر ولا تناسب الجملة عليها ما قبلها إلا على تقدير أن يراد بالتكبير التكبير للصلاة وبعض من فسر الثياب بالجسم جوز إبقاء التطهير على حقيقته وقال أمر عليه الصلاة والسلام بالتنظيف وقت الاستنجاء لأن العرب ما كانوا ينظفون أجسامهم أيضاً عن النجاسة وكان كثير منهم يبول على عقبه وقال بعض الأمر لمطلق الطلب فإن تطهير ما ليس بطاهر من الثياب واجب في الصلاة ومحبوب في غيرها وقيل تطهيرها تقصيرها وهو أيضاً أمر له عليه الصلاة والسلام برفض عادات العرب المذمومة فقد كانت عادتهم تطويل الثياب وجرهم الذيول على سبيل الفخر والتكبر قال الشاعر‏:‏

ثم راحوا عبق المسك بهم *** يلحفون الأرض هداب الأزر

وفي الحديث «أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين وما كان أسفل من ذلك ففي النار» واستعمال التطهير في التقصير مجاز للزومه له فكثيراً ما يفضي تطويلها إلى جر ذيولها على القاذورات ومن الناس من جعل التقصير بعد إرادته من التطهير كناية عن عدم التكبر والخيلاء ويكون ذلك أمراً له صلى الله عليه وسلم بالتواضع والمداومة على ترك جر ذيول التكبر والخيلاء بعد أمره بتخصيص الكبرياء والعظمة به تعالى قولاً واعتقاداً فكأنه قيل وربك فكبر وأنت لا تتكبر ليتسنى لك أمر الإنذار وبعض من يرى جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز حمل التطهير على حقيقته ومجازه أعني التقصير والتوصل إلى إرادة مثل ذلك عند من لا يرى جواز الجمع سهل وجوز أن يراد بالتطهير إزالة ما يستقذر مطلقاً سواء النجس أو غيره من المستقذر الطاهر ومنه الأوساخ فيكون ذلك أمراً له صلى الله عليه وسلم بتنظيف ثيابه وإزالة ما يكون فيها من وسخ وغيره من كل ما يستقذر فإنه منفر لا يليق بمقام البعثة ويستلزم هذا بالأولى تنظيف البدن من ذلك ولذا كان صلى الله عليه وسلم أنظف الناس ثوباً وبدناً وربما يقال باستلزام ذلك بالأولى أيضاً الأمر بالتنزه عن المنفر القولي والفعلي كالفحش والفظاظة والغلظة إلى غير ذلك فلا تغفل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏والرجز فاهجر‏}‏ قال القتبي الرجز العذاب وأصله الاضطراب وقد أقيم مقام سببه المؤدي إليه من المآثم فكأنه قيل اهجر المآثم والمعاصي المؤد إلى العذاب أو الكلام بتقدير مضاف أي أسباب الرجز أو التجوز في النسبة على ما قيل ونحو هذا قول ابن عباس الرجز السخط وفسر الحسن الرجز بالمعصية والنخعي بالاثم وهو بيان للمراد ولما كان المخاطب بهذا الأمر هو النبي صلى الله عليه وسلم وهو البرىء عن ذلك كان من باب اياك أعني واسمعي أو المراد الدوام والثبات على هجر ذلك وقيل الرجز اسم لصنمين اساف ونائلة وقيل للاصنام عموماً وروي ذلك من مجاهد وعكرمة والزهري والكلام على ما سمعت آنفاً وقيل الرجز اسم للقبيح المستقذر والرجز فاهجر كلام جامع في مكارم الأخلاق كأنه قيل اهجر الجفاء والسفه وكل شيء يقبح ولا تتخلق بأخلاق هؤلاء المشركين وعليه يحتمل أن يكون هذا أمراً بالثبات على تطهير الباطن بعد الأمر بالثبات على تطهير الظاهر بقوله سبحانه ‏{‏وثيابك فطهر‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 4‏]‏ وقرأ الأكثرون الرجز بكسر الراء وهي لغة قريش ومعنى المكسور والمضموم واحد عند جمع وعن مجاهدان المضموم بمعنى الصنم والمكسور بمعنى العذاب وقيل المكسور النقائص والفجور والمضموم اساف ونائلة وفي كتاب الخليل الرجز بضم الراء عبادة الأوثان وبكسرها العذاب ومن كلام السادة أي الدنيا فاترك وهو مبني على أنه أريد بالرجز الصنم والدنيا من أعظم الأصنام التي حبها بين العبد وبين مولاه وعبدتها أكثر من عبدتها فإنها تعبد في البيع والكنائس والصوامع والمساجد وغير ذلك أو أريد بالرجز القبيح المستقذر والدنيا عند العارف في غاية القبح والقذارة فعن الأمير كرم الله تعالى وجهه أنه قال الدنيا أحقر من ذراع خنزير ميت بال عليها كلب في يد مجذوم وقال الشافعي‏:‏

وما هي الأجيفة مستحيلة *** عليها كلاب همهن اجتذابها

فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها *** وإن تجتذبها نازعتك كلابها

ويقال كل ما ألهى عن الله عز وجل فهو رجز يجب على طالب الله تعالى هجره إذ بهذا الهجر ينال الوصال وبذلك القطع يحصل الاتصال ومن أعظم لاه عن الله تعالى النفس ومن هنا قيل أي نفسك فخالفها والكلام في كل ذلك من باب إياك أعني أو القصد فيه إلى الدوام والثبات كما تقدم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ‏}‏ أي ولا تعط مستكثر أي طالبا للكثير ممن تعطيه قاله ابن عباس فهو نهى عن الاستغزار وهو أن يهب شيئاً وهو يطمع أن يتعوض من الموهوب له أكثر من الموهوب وهذا جائز ومنه الحديث الذي رواه ابن أبي شيبة موقوفاً على شريح المستغزر يثاب من هبته والأصح عند الشافعية أن النهي للتحريم وانه من خواصه عليه الصلاة والسلام لأن الله تعالى اختار له عليه الصلاة والسلام أكمل الصفات وأشرف الأخلاق فامتنع عليه أن يهب لعوض أكثر وقيل هو نهي تنزيه للكل أو ولا تعط مستكثراً أي رائيا لما تعطيه كثيراً فالسين للوجدان لا للطلب كما في الوجه الأول الظاهر والنهي عن ذلك لأنه نوع إعجاب وفيه بخل خفي وعن الحسن والربيع لا تمنن بحسناتك على الله تعالى مستكثراً لها أي رائيا إياها كثيرة فتنقص عند الله عز وجل وعد من استكثار الحسنات بعض السادة رؤية أنها حسنات وعدم خشية الرد والغفلة عن كونها منه تعالى حقيقة وعن ابن زيد لا تمنن بما أعطاك الله تعالى من النبوة والقرآن مستكثراً به أي طالباً كثير الأجر من الناس وعن مجاهد لا تضعف عن عملك مستكثراً لطاعتك فتمنن من قولهم حبل منين أي ضعيف ويتضمن هذا المعنى ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال أي لا تقل قد دعوتهم فلم يقبل مني عد فادعهم وقرأ الحسن وابن أبي عبلة تستكثر بسكون الراء وخرج على أنه جزم والفعل بدل من تمنن المجزوم بلا الناهية كانه قيل ولا تمنن لا تستكثر لأن من شأن المان بما يعطي أن يستكثره أي يراه كثيراً ويعتد به وهو بدل اشتمال وقيل بدل كل من كل على دعاء الاتحاد وفي الكشف الابدال من تمنن على أن المن هو الاعتداد بما أعطى لا الاعطاء نفسه فيه لطيفة لأن الاستكثار مقدمة المن فكأنه قيل لا تستكثر فضلاً عن المن وجوز أن يكون سكون وقف حقيقة أو بإجراء الوصل مجراه أو سكون تخفيف على أن شبه ثرو بعضد فسكن الراء الواقعة بين الثاء وواو ‏{‏ولربك‏}‏ كما سكنت الضاد وليس بذاك والجملة عليه في موضع الحال وقرأ الحسن أيضاً والأعمش تستكثر بالنصب على اضمار أن كقولهم مره يحفرها أي أن يحفرها وقوله‏:‏ ألا أيهذا الزاجري احضر الوغى *** وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

في رواية نصب أحضر وقرأ ابن مسعود أن تستكثر بإظهار أن فالمن بمعنى الإعطاء والكلام على إرادة التعليل أي ولا تعط لأجل أن تستكثر أي تطلب الكثير ممن تعطيه وأيد به إرادة المعنى الأول في قراءة الرفع وجوز الزمخشري في تلك القراءة أن يكون الرفع لحذف أن وابطال عملها كما روي أحضر الوغى بالرفع فالجملة حينئذ ليست حالية وتعقبه أبو حيان بأنه لا يجوز حمل القرآن على ذلك إذ لا يجوز ما ذكر إلا في الشعر ولنا مندوحة عنه مع صحة معنى الحال ورد بأن المخالف للقياس بقاء عملها بعد حذفها وأما الحذف والرفع فلا محذور فيه وقد أجازه النحاة ومنه تسمع بالمعيدي خير من أن تراه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏وَلِرَبّكَ فاصبر‏}‏ قيل على أذى المشركين وقيل على أداء الفرائض وقال ابن زيد على حرب الأحمر والأسود وفيه بعد إذ لم يكن جهاد يوم نزولها وعن النخعي على عطيتك كأنه وصله بما قبله وجعله صبراً على العطاء من غير استكثار والوجه كما قال جار الله أن يكون أمراً بنفس الفعل والمعنى لقصد جهته تعالى وجانبه عز وجل فاستعمل الصبر فيتناول لعدم تقدير المتعلق المفيد للعموم كل ومصبور عليه مصبور عنه ويراد الصبر على أذى المشركين لأنه فرد من أفراد العام لا لأنه وحده هو المراد وعن ابن عباس الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه صبر على أداء الفرائض وله ثلثمائة درجة وصبر عن محارم الله تعالى وله ستمائة درجة وصبر على المصائب عند الصدمة الأولى وله تسعمائة درجة وذلك لشدته على النفس وعدم التمكن منه إلا بمزيد اليقين ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أسألك من اليقين ما تهون به على مصائب الدنيا وذكروا أن للصبر باعتبار حكمه أربعة أقسام فرض كالصبر عن المحظورات وعلى أداء الواجبات ونقل كالصبر عن المكروهات والصبر على المسنونات ومكروه كالصبر عن أداء المسنونات والصبر على فعل المكروهات وحرام كالصبر على من يقصد حريمه بمحرم وترك التعرض له مع القدرة إلى غير ذلك وتمام الكلام عليه في محله وفضائل الصبر الشرعي المحمود مما لا تحصى ويكفي في ذلك قوله تعالى ‏{‏إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حسباب‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 10‏]‏ وقوله صلى الله عليه وسلم «قال الله تعالى إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزاناً أو أنشر له ديواناً»

تفسير الآيات رقم ‏[‏8 - 10‏]‏

‏{‏فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ‏(‏8‏)‏ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ‏(‏9‏)‏ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏فَإِذَا نُقِرَ‏}‏ أي نفخ ‏{‏فِى الناقور‏}‏ في الصور وهو فاعول من النقر بمعنى التصويت وأصله القرع الذي هو سببه ومنه منقار الطائر لأنه يقرع به ولهذه السببية تجوز به عنه وشاع ذلك وأريد به النفخ لأنه نوع منه والفاء للسببية كأنه قيل اصبر على أذاهم فبين أيديهم يوم هائل يلقون فيه عاقبة أذاهم وتلقى عاقبة صبرك عليه والعامل في إذا ما دل عليه قوله تعالى‏:‏

‏{‏فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الكافرين‏}‏ فالمعنى إذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين والفاء في هذا للجزاء وذلك إشارة إلى وقت النقر المفهوم من فإذا نقر وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد لفظاً بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلته في الهول والفظاعة ومحله الرفع على الابتداء ويومئذ قيل بدل منه مبني على الفتح لإضافته إلى غير متمكن والخبر يوم عسير فكأنه قيل فيوم النقر يوم عسير وجوز أن يكون يومئذ ظرفاً مستقراً ليوم عسير أي صفة له فلما تقدم عليه صار حالا منه والذي أجاز ذلك على ما في الكشاف أن المعنى فذلك وقت النقر وقوع يوم عسير لأن يوم القيامة يأتي ويقع حين ينقر في الناقور فهو على منوال زمن الربيع العيد فيه أي وقوع العيد فيه وما له فذلك الوقوع وقوع يوم الخ ومما ذكر يعلم إندفاع ما يتوهم من تقديم معمول المصدر أو معمول ما في صلته على المصدران جعل ظرف الوقوع المقدر أو ظرف عسير والتصريح بلفظ وقوع إبراز للمعنى وتقصي عن جعل الزمان مظروف الزمان برجوعه إلى الحدث فتدبر وظاهر صنيع الكشاف اختيار هذا الوجه وكذا كلام صاحب الكشف إذ قرره على أتم وجه وادعى فيما سبق تعسفاً نعم جوز عليه الرحمة أن يكون يومئذ معمول ما دل عليه الجزاء أيضاً كأنه قيل فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين يومئذ وأياً ما كان فعلى الكافرين متعلق بعسير وقيل بمحذوف هو صفة لعسير أو حال من المستكن فيه وأجاز أبو البقاء تعلقه بيسير في قوله تعالى‏:‏

‏{‏غَيْرُ يَسِيرٍ‏}‏ وهو الذي يقتضيه كلام قتادة وتعقبه أبو حيان بأنه ينبغي أن لا يجوز لأن فيه تقديم معمول المضاف إليه على المضاف وهو ممنوع على الصحيح وقد أجازه بعضهم في غير حملا لها على لا فيقول أنا بزيد غير راض وزعم الحوفي إن إذا متعلقة بـ ‏{‏أنذر‏}‏ والفاء زائدة وأراد أنها مفعول به لا نذر كأنه قيل قم فانذرهم وقت النقر في الناقور وقوله تعالى فذلك الخ جملة مستأنفة في موضع التعليل وهو كما ترى وجوز أبو البقاء تخريج الآية على قول الأخفش بأن تكون إذا مبتدأ والخبر فذلك والفاء زائدة وجعل يومئذ ظرفاً لذلك ولا أظنك في مرية من أنه كلام أخفش وقال بعض الأجلة إن ذلك مبتدأ وهو إشارة إلى المصدر أي فذلك النقر وهو العامل في يومئذ ويوم عسير خبر المبتدأ والمضاف مقدر أي فذلك النقر في ذلك اليوم نقر يوم وفيه تكلف وعدول عن الظاهر مع أن عسر اليوم غير مقصود بالإفادة عليه وظاهر السياق قصده بالإفادة وجعل العلامة الطيبي هذه الآية من قبيل ما اتحد فيه الشرط والجزاء نحو من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله إذ جعل الإشارة إلى وقت النقر وقال ان في ذلك مع ضم التكرير دلالة على التنبيه على الخطب الجليل والأمر العظيم وفيه نظر وفائدة قوله سبحانه غير يسير أي سهل بعد قوله تعالى عسير تأكيد عسره على الكافرين فهو يمنع أن يكون عسيراً عليهم من وجه دون وجه ويشعر بتيسره على المؤمنين كأنه قيل عسير على الكافرين غير يسير عليهم كما هو يسير على أضدادهم المؤمنين ففيه جمع بين وعيد الكافرين وزيادة غيظهم وبشارة المؤمنين وتسليتهم ولا يتوقف هذا على تعلق على الكافرين بيسير نعم الأمر عليه أظهر كما لا يخفى ثم مع هذا لا يخلو قلب المؤمن من الخوف أخرج ابن سعيد والحاكم عن بهز بن حكيم قال أمنا زرارة بن أوفي فقرأ المدثر فلما بلغ فإذا نقر في الناقور خر ميتاً فكنت فيمن حمله وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال لما نزلت فإذا نقر في الناقور قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

«كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته يستمع متى يؤمر قالوا كيف نقول يا رسول الله قال قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل وعلى الله توكلنا» واختلف في أن المراد بذلك الوقت يوم النفخة الأولى أو يوم النفخة الثانية ورجح أنه يوم الثانية لأنه الذي يختص عسره بالكافرين وأما وقت النفخة الأولى فحكمه الذي هو الاصعاف يعم البر والفاجر وهو على المشهور مختص بمن كان حيا عند وقوع النفخة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً‏}‏ نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي كما روي بمن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم بل قيل كونها فيه متفق عليه وهو يقتضي أن هذه السورة لم تنزل جملة إذ لم يكن أمر الوليد وما اقتضى نزول الآية فيه في بدء البعثة فلا تغفل ووحيداً حال إما من الياء في ذرني وهو المروى عن مجاهد أي ذرني وحدي معه فأنا أغنيك في الانتقام عن كل منتقم أو من التاء في خلقت أي خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد فأنا أهلكه لا أحتاج إلى ناصر في اهلاكه أو من الضمير المحذوف العائد على من على ما استظهره أبو حيان أي ومن خلقته وحيداً فريداً لا مال له ولا ولد وجوز أن يكون منصوباً بأذم ونحوه فقد كان الوليد يلقب في قومه بالوحيد فتهكم الله تعالى به وبلقبه أو صرفه عن الغرض الذي كانوا يؤمونه من مدحه والثناء عليه إلى جهة ذمه وعيبه فأراد سبحانه وحيداً في الخبث والشرارة أو وحيداً عن أبيه لأنه كان دعيا لم يعرف نسبه للمغيرة حقيقة كما مر في سورة نون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً‏}‏ مبسوطاً كثيراً أو ممدوداً بالنماء من مد النهر ومده نهر آخر وقيل كان له الضرع والزرع والتجارة وعن ابن عباس هو ما كان له بين مكة والطائف من الإبل والنعم والجنان والعبيد وقيل كان له بستان بالطائف لا تنقطع ثماره صيفاً وشتاء وقال النعمان بن بشير المال الممدود هو الأرض لأنها مدت وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه المستغل الذي يجبى شهراً بعد شهر فهو ممدود لا ينقطع وعن ابن عباس ومجاهد وابن جبير كان له ألف دينار وعن قتادة ستة آلاف دينار وقيل تسعة آلاف دينار وعن سفيان الثوري روايتان أربعة آلاف دينار وألف ألف دينار وهذه الأقوال ان صحت ليس المراد بها تعيين المال الممدود وانه متى أطلق يراد به ذلك بل بيان أنه كان بالنسبة إلى المحدث عنه كذا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏وَبَنِينَ شُهُودًا ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏وَبَنِينَ شُهُوداً‏}‏ حضوراً معه بمكة يتمتع بمشاهدتهم لا يفارقونه للتصرف في عمل أو تجارة لكونهم مكفيين لوفور نعمهم وكثرة خدمهم أو حضوراً في الأندية والمحافل لوجاهتهم واعتبارهم أو تسمع شهاداتهم فيما يتحاكم فيه واختلف في عددهم فعن مجاهد أنهم عشرة وقيل ثلاثة عشر وقيل سبعة كلهم رجال الوليد بن الوليد وخالد وهشام وقد أسلم هؤلاء الثلاثة والعاص وقيس وعبد شمس وعمارة واختلفت الرواية فيه أنه قتل يوم بدر أو قتله النجاشي لجناية نسبت إليه في حرم الملك والروايتان متفقتان على أنه قتل كافراً ورواية الثعلبي عن مقاتل إسلامه لا تصح ونص ابن حجر على أن ذلك غلط وقد وقع في هذا الغلط صاحب الكشاف وتبعه فيه من تبعه والعجب أيضاً أنهم لم يذكروا الوليد بن الوليد فيمن أسلم مع أن المحدثين عن آخرهم أطبقوا على إسلامه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً‏}‏ بسطت له الرياسة والجاه العريض فأتممت عليه نعمتي الجاه والمال واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا وأصل التمهيد التسوية والتهيئة وتجوز به عن بسطة المال والجاه وكان لكثرة غناه ونضارة حاله الرائقة في الأعين منظراً ومخبراً يلقب ريحانة قريش وكذا كانوا يلقبونه بالوحيد بمعنى المنفرد باستحقاق الرياسة وعن ابن عباس وسعت له ما بين اليمن إلى الشام وعن مجاهد مهدت له المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ‏}‏ على ما أديته وهو استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه إما لأنه في غنى تام لا مزيد على ما أوتي سعة وكثرة أو لأنه مناف لما هو عليه من كفران النعم ومعاندة المنعم وعن الحسن وغيره أنه كان يقول إن كان محمد صادقاً فما خلقت الجنة إلا لي واستعمال ثم للاستبعاد كثير قيل وهو غير التفاوت الرتبي بل عد الشيء بعيداً غير مناسب لما عطف عليه كما تقول تسىء إلى ثم ترجو احساني وكان ذلك لتنزيل البعد المعنوي منزلة البعد الزماني‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏كَلاَّ‏}‏ ردع وزجر له عن طمعه الفارغ وقطع لرجائه الخائب وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ كان لاياتنا عَنِيداً‏}‏ جملة مستأنفة استئنافاً بيانيا لتعليل ما قبل كأنه قيل لم زجر عن طلب المزيد وما وجه عدم لياقته فقيل إنه كان معانداً لآيات المنعم وهي دلائل توحيده أو الآيات القرآنية حيث قال فيها ما قال والمعاندة تناسب الإزالة وتمنع من الزيادة قال مقاتل ما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقص من ماله وولده حتى هلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً‏}‏ سأغشيه عقبة شاقة المصعد وهو مثل لما يلقى من العذاب الشاق الصعب الذي لا يطاق شبه ما يسوقه الله تعالى له من المصائب وأنواع المشاق بتكليف الصعود في الجبال الوعرة الشاقة وأطلق لفظه عليه على سبيل الاستعارة التمثيلية وروى أحمد والترمذي والحاكم وصححه وجماعة عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفاً ثم يهوى فيه كذلك أبداً وعنه صلى الله عليه وسلم «يكلف أن يصعد عقبة في النار كلما وضع عليها يده ذابت وإذا رفعها عادت وإذا وضع رجله ذابت فإذا رفعها عادت»

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ‏}‏ تعليل للوعيد واستحقاقه له أو بيان لعناده لآياته عز وجل فيكون جملة مفسرة لذلك لا محل لها من الإعراب وما بينهما اعتراض وقيل الجملة عليه بدل من قوله تعالى ‏{‏إنه كان لآياتنا عنيداً‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 16‏]‏ أي أنه فكر ماذا يقول في شأن القرآن وقدر في نفسه ما يقول‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ‏}‏ تعجيب من تقديره وإصابته فيه المحزورميه الغرض الذي كان ينتحيه قريش فهو نظير ‏{‏قاتلهم الله أنى يؤفكون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 30‏]‏ أو ثناء عليه تهكماً على نحو قاتله الله ما أشجعه أو حكاية لما كرروه على سبيل الدعاء عند سماع كلمته الحمقاء فالعرب تقول قتله الله ما أشجعه وأخزاه الله ما أشعره يريدون أنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد ويدعو عليه حاسده بذلك ومآله على ما قيل إلى الأول وإن اختلف الوجه روي أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن فكأن رق له فبلغ ذلك أبا جهل فقال يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك ما لا فيعطوكه فإنك أتيت محمداً لتصيب مما عنده قال قد علمت قريش أني من أكثرها مالا قال فقل فيه قولاً يبلغ قومك إنك منكر له وانك كاره له قال وماذا أقول فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيده ولا باشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا ووالله ان لقوله الذي يقوله حلاوة وان عليه لطلاوة وانه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو ولا يعلى وانه ليحطم ما تحته قال لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه قال دعني حتى أفكر فلما فكر قال ما هو إلا سحر يؤثر فعجبوا بذلك وقال محيى السنة لما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 1-3‏]‏ إلى قوله تعالى المصير قام النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد والوليد قريب منه يسمع قراءته فلما فطن النبي عليه الصلاة والسلام لاستماعه أعاد القراءة فانطلق الوليد إلى مجلس قومه بني مخزوم فقال والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن إن له لحلاوة وان عليه لطلاوة وان أعلاه لمثمر وان أسفله لمغدق وانه ليعلو وما يعلى فقال قريش صبأ والله الوليد والله لتصبأن قريش كلهم فقال أبو جهل أنا أكفيكموه فقعد إليه حزيناً وكلمه بما أحماه فقام فأتاهم فقال تزعمون أن محمداً مجنون فهل رأيتموه يخنق وتقولون انه كاهن فهل رأيتموه قط يتكهن وتزعمون انه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعراً وتزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئاً من الكذب فقالوا في كل ذلك اللهم لاثم قالوا فما هو ففكر فقال ما هو إلا ساحر أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه وما الذي يقوله إلا سحر يأثره عن مسيلمة وعن أهل بابل فارتج النادي فرحاً وتفرقوا معجبين بقوله متعجبين منه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ‏}‏ تكرير للمبالغة كما هو معتاد من أعجب غاية الإعجاب والعطف بثم للدلالة على تفاوت الرتبة وان الثانية أبلغ من الأولى فكأنه قيل قتل بنوع ما من القتل لا بل قتل بأشده وأشده ولذا ساغ العطف فيه مع أنه تأكيد ونحوه ما في قوله‏:‏

ومالي من ذنب إليهم علمته *** سوى أنني قد قلت يا سرحة اسلمي

ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي *** ثلاث تحيات وان لم تكلمي

والاطراء في الاعجاب بتقديره يدل على غاية التهكم به وبمن فرح بمحصول تفكيره وقال الراغب في غرة التنزيل كان الوليد بن المغيرة لما سئل عن النبي صلى الله عليه وسلم قدر ما أتى به من القرآن فقال إن قلنا شاعر كذبتنا العرب إذا عرضت ما أتى به على الشعر وكان يقصد بهذا التقدير تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم بضرب من الاحتيال فلذلك كان كل تقدير مستحقاً لعقوبة من الله تعالى هي كالقتل اهلاكاً له فالأول لتقديره على الشعر أي أهلك اهلاك المقتول كيف قدر وقوله تعالى ثم قتل كيف قدر لتقديره الآخر فإنه قدر أيضاً وقال فإن ادعينا ان ما أتى به من كلام الكهنة كذبتنا العرب إذا رأوا هذا الكلام مخالفاً لكلام الكهان فهو في تقديره له على كلام الكهنة مستحق من العقوبة لما هو كالقتل اهلاكاً له فجاء ذلك لهذا فلم يكن في الإعادة تكرار والأول هو ما ذهب إليه جار الله وجعل الدعاء اعتراضاً وقال عليه الطيبي أنه ليس من الاعتراض المتعارف الذي ينحل لتزيين الكلام وتقريره لأن الفاء مانعة من ذلك بل هو من كلام الغير ووقع الفاء في تضاعيف كلامه فادخل بين الكلامين المتصلين على سبيل الحكاية ثم قال وهو متعسف وإنما سلكه لأنه جعل الدعاءين من كلام الغير وأما إذا جعلا من كلام الله تعالى استهزاء كما ذكر هو أو دعاء عليه كما ذهب إليه الراغب وعليه تفسير الواحدي على ما قال ونقل عن صاحب النظم ‏{‏فقتل كيف‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 19‏]‏ أي عذب ولعن كيف قدر كما يقال لأضربنه كيف صنع أي على أي حال كانت منه لتكون الأفعال كلها متناسقة مرتبة على التفاوت في التعقيب والتراخي زمانا ورتبة كما يقتضيه المقام كان أحسن وجاء النظم على السنن المألوف من التنزيل إلى آخر ما قال وما تقدم أبعد مغزى والاعتراض من المتعارف وهو يؤكد ما سيق له الكلام أحسن تأكيد والفار غير مانعة على ما نص عليه جار الله وغيره وجعل من الاعتراض المقرون بها فاسألوا أهل الذكر ومنه قوله‏:‏

واعلم فعلم المرء ينفعه *** أن سوف يأتي كل ما قدرا

وقد حقق أنه بالحقيقة نتيجة وقعت بين أجزاء الكلام اهتماماً بشأنها فأفادت فائدة الاعتراض وعدت منه والاعتراض بين قوله تعالى ‏{‏إنه فكر وقدر‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 18‏]‏ وقوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏ثُمَّ نَظَرَ ‏(‏21‏)‏‏}‏

‏{‏ثُمَّ نَظَرَ‏}‏ للعطف وثم فيه وفيما بعد على معناها الوضعي وهو التراخي الزماني مع مهلة أي ثم فكر في أمر القرآن مرة بعد أخرى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏

‏{‏ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏ثُمَّ عَبَسَ‏}‏ قطب وجه لما لم يجد فيه مطعناً وضاقت عليه الحيل ولم يدر ماذا يقول وقيل ثم نظر في وجوه القوم ثم قطب وجهه وقيل نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قطب في وجهه عليه الصلاة والسلام ‏{‏وَبَسَرَ‏}‏ أي أظهر العبوس قبل أوانه وفي غير وقته فالبسر الاستعجال بالشيء نحو بسر الرجل لحاجة طلبها في غير أوانها وبسر الفحل الناقة ضربها قبل أن تطلب وماء بسر متناول من غديره قبل سكونه وقيل للجبن الذي ينكأ قبل النضج بسر ومنه قيل لما لم يدرك من الثمر بسر وبهذا فسره الراغب هنا وفسره بعضهم باشد العبوس من بسر إذا قبض ما بين عينيه كراهة للشيء واسود وجهه منه ويستعمل بمعنى العبوس ومنه قول توبة‏:‏

قد رابني منها صدود رأيته *** وإعرضها عن حاجتي وبسورها

وقول سعد لما أسلمت راغمتني أمي فكانت تلقاني مرة بالبشر ومرة بالبسر فحينئذ يكون ذكر بسر كالتأكيد لعبس ولعله مراد من قال اتباع له وأهل اليمين يقولون بسر المركب وأبسر إذا وقف ولم أر من جوز إرادة ذلك هنا ولو على بعد وفي النفس من ثبوت ذلك لغة صحيحة توقف‏.‏